الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
نفحات الولاية
ويواصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا : « وإن أعظم حجتهم لعلي أنفسهم » . حيث يميط اللثام عن الدافع الرئيسي وهو أنّ هؤلاء كانوا يرغبون باستمرار الأوضاع التي كانت سائدة على عهد عثمان ، فتجعل لهم بعض الامتيازات في بيت المال ، غير أنّ ذلك العهد ولى واندرس وليس هنالك من سبيل إلى عودته إلى مسرح الأحداث ثانية : « يرتضعون امّا قد فطمت ويحيون بدعة قد اميتت » . كما وردت عدة تفاسير لقوله عليه السلام : « اما قد فطمت » منها أن يكون المراد تلك السنن الجاهلية والبدع والعصبية التي كانت سائدة قبل الإسلام ، حيث يتشبثون بكل الوسائل الأخلاقية من أجل الحكومة ، فأمير المؤمنين يصف ذلك العهد بالام التي فطمت فلم تعد هنالك من وسيلة لتحقيق المطامع » « 1 » . ويبدو أنّ هذا التفسير يناسب العبارة الثانية « ويحيون بدعة قد اميتت » لا العبارة الأولى ، كما أنّ جمع العبارتين بمعنى واحد يخالف ظاهر اللفظ . في حين ذهب البعض إلى أنّ المراد أنّهم بمطالبتهم بدم عثمان إنّما يريدون احياء أيام حكومته ، رغم أن هؤلاء المطالبون بدمه هم من بين الأفراد الذين ثاروا عليه وسببوا قتله ومن هنا أرادوا أن يرتضعوا أما قد فطمت . وبالطبع فإنه يمكن الجمع بين كل هذه المعاني ، وإن بدأ المعنى الأول أنسب . فالنتيجة التي ستتمخض عنها حركة هؤلاء الافراء سوف لن تكون سوى الفشل الذريع ؛ الأمر الذي عبر عنه الإمام عليه السلام بالقول « يا خيبة الداعي ! وإلام أُجيب » « 2 » . والواقع انهذه العبارة تكهن بالنتيجة التي ستؤول إليها معركة الجمل . فالإمام عليه السلام يعلن أنّ عاقبتهم ستكون الفشل والهزيمة ؛ عاقبة الغدرة الذين خططوا لقتل عثمان ثم انبروا للمطالبة بدمه ففرقوا صفوف المسلمين فضلوا طائفة من الناس وخسروا الدنيا والآخرة . ثم قال الإمام عليه السلام : « وإنّي لراض بحجة اللَّه عليهم وعلمه فيهم » ولعل مراده بحجة اللَّه ، ما ورد في الآية القرآنية بشأن البغاة « وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَت إِحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
--> ( 1 ) منهاج البراعة 3 / 310 . ( 2 ) « الخيبة » بمعنى اليأس ، والمراد بالداعي هنا طلحة والزبير الذين دعوا الناس للخروج على عثمان . وقولهإلام أجيب ، تحقيراً لأولئك الذين اتبعوهما دون دليل .